ابن عرفة
266
تفسير ابن عرفة
الاستعمال أن الوجه إنما يعبر عن الذات عند إرادة التشريف ، فيعبر عنها بأشرف الأشياء ، قال تعالى وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ سورة الرحمن : 27 ] ، وفي حديث مسلم وجهت وجهي للذي خلقه وأوقع الظاهر موقع المضمر ، فلم يقل وجوههم إنما تعظيما لهول ما اتصفوا به ، وتنبيها على السبب الذي استحقوا به ذلك العذاب . قوله تعالى : آمَنَّا بِهِ . هذا ماض متصل بالحال ، فهو بمعنى اسم الفاعل ، وفيه دليل على جواز أن يقال : أنا مؤمن دون زيادة إن شاء اللّه تعالى ، وتقدم الكلام على ذلك في سورة الأنفال ، وأورد الزمخشري سؤالان : وهو لو قال آمَنَّا بِهِ ، فأخر المجرور ، ثم قال وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا ، فقدمه ، وأجاب : بأنه تعريض لهم لاتصافهم بعدم الإيمان انتهى ، ويرد بأنه لو أريد التعريض بهم ، لقيل به آمنا فيفيد الحصر والاختصاص ، وإنما الجواب : أنه لما عهد في الشرع خصوصية التوكل بالله تعالى أتى به محصورا وأتى به في الشرع عدم اختصاص الإيمان بالله تعالى ، قال تعالى قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ [ سورة آل عمران : 84 ] ، وقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ [ سورة النساء : 136 ] الآية ، وفي حديث القدر أخبرني عن الإيمان ، قال : هو أن تؤمن بالله وملائكته الحديث فلذلك لم يأتي به محصورا . قوله تعالى : فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . استغنى بهذا عن ذكر لما ذمه أي ومن هو مهتد . قوله تعالى : أو يصبح ماؤُها غَوْراً . إن قلت : هلا قيل : أن أصبح ماؤكم عدما ، فهو أعجب وأغرب ، ولأن الزمخشري حكى عن بعض الشطار أنه قال : يخبئ به القوس والمعاول ، فلو قيل : إن أعدم ماؤكم لما أغتر هذا الضال ، وقال ما قال ، لأن العدم لا تخرجه قوس ، بخلاف الغائر فإنه يتوهم أن القوس تكشف عنه ، فالجواب : أن هذا أبلغ في باب التخويف ، لأنهم إذا عجزوا وخوفوا بعدم إدراكهم الماء إذا غار في الأرض ، فأحرى أن لا يقدروا عليه إذا عدم من أصل . قوله تعالى : مَعِينٍ . ابن عطية : فعيل من معن الماء ، إذا أكثر أو مفعول من العين أي جار على العين أصله معيون انتهى ، اشتقاقه من العين الجارية صحيح ، لكن كونه بمعنى مفعول باطل ،